|
بسم الآب والأبن والروح القدس الإله الواحد آمين
آبائي...إخوتي... أخواتي بالمسيح
لا نزال إلى هذا اليوم... لا بل إلى هذه الساعة وهذه اللحظة، نسمع يتردد علينا بعض العبارات منها:
- أحبوا بعضَكم بعضًا (يوحنا 13: 34).
- أحبب قريبك كنفسك (مرقص 12: 31).
- لنُحبَ بعضُنا بعضًا لأن المحبةَََََََ من الله ( 1يو 4: 7 – 8).
- أحبب وافعل ما تشاء.
- أحبوا بعضكم.
- عيشو بمحبة.
- المحبة عطاء.
- المحبة هي خدمة... وإلى آخره
هذا جزءٌ بسيط من العباراتِ والتعابير التي تتردد على مسامِعِنا، في كلِ مكانٍ وزمان، وتضعُنا أمام تعبيرٍ واحدٍ وهو "المحبة"... ففي كل وعظةٍ لكاهن نسمعها، يُركزُ فيها ويرتكزُ على المحبة... وكيفما قلبنا صفحات الإنجيل المقدس لا نجد سوى المحبة... وفي أي اجتماعٍ أو نقاشٍ نجتمع فيه نركز على ضرورةِ المحبة وأولويتِها في حياةِ الجماعةِ والأفراد... فالكلمة الأساس هي المحبة.
ومهما حاولنا أن نخرج خارج نطاقِ المحبة، نرى أننا نقترب منها أكثر، لنكون في وسطِها، وذلك لأننا مسيحيون مطبوعون ومختومون بالمحبة ومخلوقون على صورةِ الله، فعلى صورته ومثاله خَلقَنا.
فما هي صورةُ الله؟
أليست المحبة هي صورةُ الله؟
إذا اتفقنا جميعًا على أن المحبة هي صورةُ الله التي خُلقنا عليها، فسنتفقُ أيضًا على أننا جميعًا دون استثناء خُلقنا لهدفٍ واحد وهو أن " نحب"، فبقدر ما نحب، بقدر ما نكون أقرب من وإلى هذه الصورة، وبذلك نصلُ إلى معرفةِ الله، وهذا ما يركز عليه القديسُ يوحنا برسالته الأولى فيقول "لأن المحبة من الله وكل من يحب فقد ولد من الله ويعرف الله، ومن لا يحب لم يعرف الله"، فالدعوة موجةٌ لنا يا أخوتي بأن نكرس وقتنا بأكمَلِه للحب... لأننا بذلك نكرسُ حياتَنا كلَّها لله.
وهذه الدعوة التي دعينا إليها... هي مَدخَلٌ ودربٌ للقداسة عاشها الكثيرون، وخيرُ مثالٍ نستذكِرُهُ، القديسة تريزا الطفل يسوع التي جعلت دعوتَها هي... "الحب"... فتقول "دعوتي هي الحب، ومهما عشتُ ومارست حياتي كراهبة لا استطيعُ بلوغَ الكمالَ إلا بالمحبة... فلا أجد وسيلةً أخرى لأصل إلى الكمال غيرِ الحب"...
أيها الإخوة، اليوم لا يكفي أن يقررَ الإنسان عيش حياة فاضلة، بل من الضروري، أن يثبت فيها، فالحسنات والتضحيات والنجاحات التي نحققها، تزول أمام عدمِ الثباتِ والتبدل، لأن الكلمة الأخيرة هي التي تشرح معنى الخطاب، والفصل الأخير هو الذي يفسر المسرحية، وكذلك الحلقة الأخيرة هي التي تضع النِقاطَ على الحروف... كما أن تصرفاً نقيا يُمكنُه أن يمحو الماضي كلَّه، ويَكسبَ عاطفة الآخر ومحبتِه... وبالمقابل... تصرفاً أخيراً فيه من الرياء وعدم الأخلاق، يُمكنُه أن يسممَ الحياة بكامِلِها ويجرح عاطفة الحب جُرحاً لا دواء له.
من السهل علينا أيها الإخوة أن نبدأ جيداً، ولكن من الصعبِ جداً الانتهاءَ جيداً، من السهل أن نبدأ بكلمة المحبة، كما بدأنا اليوم، ومن السهل أيضاً أن ننهي بكلمة المحبة، ولكن من الصعب جداً أن ننهي بفعل المحبة... وبعيش المحبة... هذا هو التحدي الأكبر الذي نَعيشُهُ اليوم... والذي يتطلب أولاً الإيمانَ بالمحبة، ويتطلب أيضاً حكمةً ومقدرةً ومثابرة... وإنه ليَظهرُ أمامنا اليوم ضرباً من المستحيل... لكن لا... مع يسوع المسيح المتجسد والقائم من الموت... نقول إننا خارجَ المستحيل... لا نقول أننا أمام سهولةٍ، ولكننا ليس أمام المستحيل... هذا التحدي يتطلب مسيرةً... مسيرةً نحو تعلُّمِ كيفية عيش المحبة، وكيفية الدخول في حضارة المحبة.
فالحب إذاً هو مسيرةُ حياة نحو الحب الأعظم الذي لن يكتمل إلا يوم نعاينُ وجه الله، ولهذا خيارنا الوحيد هو الحب... لأننا عندما نغادر هذه الحياة فلن نحاسبَ إلا على الحبِ الذي قال عنه الرب "إن خطاياها الكثيرة قد غُفرت لأنها أحبت كثيراً، والذي يحبُ قليلاً يغفرُ له قليلاً" (لو 7: 47)... وأهم ما في هذه المسيرة هي النهاية، وليست البداية... كم من أشخاصٍ قد بدؤوا هذه المسيرة ولكنهم فقدوا المثابرة والثبات، فانهاروا أمام الصعوبةِ الأولى وذلك لأن قوة الإرادة تَنقُصُهم... "فعندما يبدؤون سباق الركض يبدون كجيشٍ، ولكن عندما يصلون إلى الهدف... فلا يبقى سوى نفرٌ قليلٌ من الأقوياء... من أولئك الذين كانوا على استعدادٍ، وعرفوا كيف يتفوقون على العراقيل... فالمثابرة إذاً مهمة في هذه المسيرة، وأيضا الاستعداد لها... فالمتقلبون والمرتجلون لم يتمكنوا من بناءِ شيءٍ جَدّي و دائم، نعم يا إخوة... المتقلبون والمرتجلون لن يتمكنوا من بناءِ شيءٍ أبداً.
يا إخوتي، الثبات إلى النهاية هو السر، وهو الأهم في عيش المحبة، وليست البداية، إن من يحب ويتردد لن يبلغ إلى أي نتيجة، ومن يسير على آلاف الدروب لن يصل إلى أي هدف، دربٌ واحد هو الذي يحقق هدفنا هو دربُ عيش المحبة. ولنكون ثابتين إلى النهاية لابد لنا من مواجهة الكثير من التساؤلات... يكون جوابُنا عليها هو أحد أعمدة الثبات في عيش المحبة، نورد بعضاً منها:
- هل دعوتي هي المحبة؟
- هل محبتي لله ثابتة... أم...؟ وبالمقابل... هل محبتي لأخي الإنسان ثابتة ؟
- هل تتغير محبتي من أجل كذا... وكذا...؟
- كيف أعيش هذه الدعوة... أي "المحبة"؟
- ما هو مقياسي للمحبة؟...أهو مقياسُ المسيح للمحبة... أو مقاسي الخاص لها؟
وأسئلة كثيرة أخرى تنتظر جوابا، فعسى أن نجدلها صدىً في حياتِنا... لنتحول من المحبة ك"كلمة" ومن المحبة ك"تعبير" ومن المحبة ك"لفظ" موجودٍ على شفاهِنا كل يوم، لنَحفُرها في القلوب فتصبحَ عملاً متكاملاً... فعلاً حقيقياً نعيشُه بجوهره بكل حضورِنا... وليست ألفاظًا نضعها على الشفاه. فلنبدأ بالمحبة ولننتهِ بفعل وعيش المحبة ففي هذا جوهرُنا وسبيلُ خلاصِنا.
فالدعوة اليوم موجهة لنا للثبات في المحبة لأنها وحدها التي تثبت في هذه الحياة والحياة الأبدية... فكل شيء يزول... أما المحبة فهي تبقى إلى الأبد... فلنحاول في هذه الأيام الميلادية أن نتقدم نحو الثبات في عيش المحبة، متمثلين بسيد المحبة المتجسدة يسوع المسيح... رافعين صلاتنا إليه، لينعم علينا من محبته، لنكون رسل المحبة والسلام على هذه الأرض.
آمين
ميّاس عبّود
في 5/12/2006 |